متى يُعد الفصل تعسفيًا؟
مقدمـــــة

يُعد إنهاء العلاقة العمالية من أكثر المسائل التي تشهد نزاعًا أمام المحاكم العمالية، ويُنظَّم ذلك وفق ما نصت عليه المادة (80) من نظام العمل، والتي حددت الحالات التي يجوز فيها لصاحب العمل فسخ العقد دون مكافأة أو إشعار أو تعويض، بشرط إتاحة الفرصة للعامل لإبداء أسباب معارضته.

وفي المقابل، فإن أي إنهاء لا يستند إلى سبب نظامي مشروع، أو لا يتم وفق الإجراءات المقررة نظامًا، قد يُعد فصلًا تعسفيًا يستوجب التعويض.

وعليه، فإن توصيف الإنهاء لا يقوم على مجرد حدوثه، وإنما يرتبط بمدى مشروعية سببه وسلامة إجراءاته،

وهو ما يتضح تفصيلًا من خلال الحالات الآتية:

حالات ثبت فيها مشروعية الإنهاء

الحالة الأولى

تأخرت رواتب العامل لأكثر من 3 اشهر، مما دفعة على التغيب وتحريض العمال على ترك العمل وقد تغيب بعض العمال بسببه. ونظرًا لتغيبه دون سبب مشروع وتحريضه للعمال، جرى التحقيق مع .العامل بما قام بفعله. وبناءً على ذلك الإجراء، تقرر فصله من العمل وفقًا للمادة (80، الفقرة 2-4) من نظام العمل
التي تنص على: "لا يجوز لصاحب العمل فسخ العقد دون مكافأة العامل، أو إشعاره، أو تعويضه؛ إلا في الحالات الآتية، وبشرط أن يتيح له الفرصة لكي يبدي أسباب معارضته للفسخ:
الفقرة 2: إذا لم يؤدِّ العامل التزاماته الجوهرية المترتبة على عقد العمل أو لم يطع الأوامر المشروعة أو لم يراعِ عمداً التعليمات –التي أعلن عنها صاحب العمل في مكان ظاهر – الخاصة بسلامة العمل والعمال رغم إنذاره كتابة.
الفقرة 4: إذا وقع من العامل - عمداً - أيُّ فعلٍ أو تقصيرٍ يقصد به إلحاق خسارة مادية بصاحب العمل، بشرط أن يبلغ صاحب العمل الجهات المختصة بالحادث خلال أربع وعشرين ساعة من وقت علمه بوقوعه"
وعند فصله قام العامل برفع دعوى على صاحب العمل مدعيًا أن الإنهاء كان لسبب غير مشروع ويطالب بالتعويض عن الإنهاء ومكافأة نهاية الخدمة وصرف الأجور المتأخرة.
 

تسبيب الدائرة

بما أن المدعى عليها أنكرت سبب انتهاء العلاقة العمالية وقامت بالدفع بأنه تم انهاء العقد بسبب مشروع، بسبب تغيب المدعي عن العمل وحث العمال على التغيب، وبما أنه تم تمكين المدعي من الدفاع .عن نفسه. وفيما يخص التعويض عن الانهاء غير المشروع ومكافأة نهاية الخدمة قامت المدعى عليها بإنكارها بسبب انهائها المشروع.

 

منطوق الحكم

حكمت الدائرة برفض طلبات المدعي المتعلقة بالتعويض عن الإنهاء غير المشروع، ومكافأة نهاية الخدمة.

 

الرأي القانوني

بالرغم من تأخر المنشأة في صرف الأجور، وهو ما يُعد سببًا مشروعًا يُجيز للعامل إنهاء عقد العمل وفقًا للمادة (81) الفقرة (1) من نظام العمل، إلا أنه كان يتعين على العامل سلوك الطريق النظامي من خلال الاستناد إلى هذا النص للمطالبة بكامل حقوقه، بما فيذلك مكافأة نهاية الخدمة.
إلا أن ما قام به العامل من تغيب عن العمل والتحريض يُعد إخلالًا جوهريًا بالتزاماته التعاقدية والوظيفية، وهو ما أفقده الاستفادة من الحماية المقررة بموجب المادة(81)، وحرمه تبعًا لذلك من المطالبة
بمكافأة نهاية الخدمة، لكون إنهاء العلاقة فيهذه الحالة لم يتم وفق الإجراء النظامي الصحيح، بل ارتبط بسلوك مخالف يبرر مساءلته.

الحالة الثانية

تعاقد العامل مع المنشأة المدعى عليها بموجب عقد عمل محدد المدة، إلا أنه ادعى قيام صاحب العمل بإنهاء العلاقة العمالية دون سبب مشروع، مستندًا في ذلك إلى قيام المنشأة بإزالته من مجموعات ,العمل، وحذف اسمه من جداول العمل، ووجود محادثات بحسب أقواله تفيد برغبة صاحب العمل في إنهاء العلاقة، وطالب بالتعويض عن المدة المتبقية من العقد، ومكافأة نهاية الخدمة.
في المقابل، دفعت المدعى عليها بأن العامل هو من أنهى العلاقة العمالية وأن المدعي برفعه لهذه الدعوى قام بإنهاء العقد بسبب غير مشروع، وبناءً على ذلك كان النزاع حول تحديد من قام بإنهاء العلاقة العمالية، ومدى ثبوت الإنهاء غير المشروع من عدمه.

 

تسبيب الدائرة

بما أن المدعي أدعى أن المدعى عليها هي من قامت بإنهاء العلاقة العمالية، مستندًا إلى إزالته من مجموعات العمل وبفحص مستندات الطرفين، تبين لها أن المدعي قدم صورًا تفيد بقيام المنشأة بإخراجه من مجموعات "الواتساب"، في حين قدمت المنشأة صورًا تفيد بأن المدعي هو من خرج من تلك المجموعات، وقد ثبت أن الواقعتين تمتَا في ذات اليوم. الأمر الذي لم يتضح معه أيهما كان سابقًا، ومن بادر بالفعل بالإخراج وعليه، رأت الدائرة أن هذه الواقعة لا تصلح بذاتها كدليل على صدور قرار الفصل.
كما ان المدعي استند أيضا على رسالة صوتية بينه وبين مدير الموارد البشرية، وقد استمع قاضي الدائرة إلى المقطع الصوتي وقام بتمحيصه، وتبين له أن مضمونه لا يتضمن إقرارًا صريحًا بإنهاء العلاقة العمالية من قبل المنشأة، وإنما اقتصر تفويض لمناقشة إمكانية الإنهاء بالتراضي.
وبناءً عليه، لم يثبت للدائرة أن إنهاء العقد كان صادرًا من صاحب العمل، مما يترتب عليه رفض طلب التعويض عن الإنهاء غير المشروع، وكذلك رفض طلب مكافأة نهاية الخدمة.

 

منطوق الحكم

حكمت الدائرة برد الطلب المتعلق بالتعويض عن الإنهاء غير المشروع، رد طلب مكافأة نهاية الخدمة.

 

الرأي القانوني

من خلال وقائع الدعوى وما انتهت إليه الدائرة، يتبين أن العامل لم يتمكن من إثبات صدور قرار صريح بإنهاء العلاقة العمالية من قبل المنشأة، حيث إن ما استند إليه من إخراجه من مجموعات العمل، .والمحادثات المتبادلة، لا يرقى ليكون دليل على وقوع الإنهاء.
وعليه، فإن ما قام به العامل يُفهم على أنه تفسير خاطئ لمرحلة التفاوض على إنهاء العلاقة العمالية، إذ اعتبر أن مجرد مناقشة الإنهاء وتحديد إطار زمني محتمل يُعد إنهاءً غير مشروع، وبادر على هذا الأساس برفع دعوى للمطالبة بكامل قيمة العقد.
حالات ثبت فيها الفصل التعسفي لسبب غير مشروع

الحالة الأولى

ثبت أن المدعي ارتكب عدة مخالفات وظيفية تمثلت في عدم إطاعة أوامر صاحب العمل، والتدخين في الأماكن المحظورة، والتلفظ على الآخرين، وارتكاب أفعال مخلة بالشرف، الأمر الذي استدعى قيام المدعى عليها باتخاذ الإجراءات النظامية بحقه، حيث تم توجيه عدة خطابات واستدعاءات له لإجراء التحقيق.
إلا أن المدعي تخلف عن حضور جلسات التحقيق في المواعيد المحددة، كما تغيب عن العمل دون مبرر مشروع، واستمر في ذلك رغم تكرار الاستدعاءات، مما يُعد إخلالًا بالتزاماته الوظيفية ويُعطل استكمال الإجراءات النظامية بحقه. وبناءً على تكرار هذه المخالفات واستمرار امتناع المدعي عن حضور التحقيق، أصدرت لجنة التحقيق قرارها بإنهاء العلاقة العمالية استنادًا إلى أحكام المادة (80) من نظام العمل. وعلى إثر ذلك، قام المدعي برفع دعوى يطالب فيها بالتعويض عن الإنهاء غير المشروع، متمسكًا بعدم مشروعية قرار الفصل.

 

تسبيب الدائرة

بما أن المدعى عليها دفعت بأن انهاء العلاقة التعاقدية تم بناءً على المادة 80 من نظام العمل، وقدمت مبرراتها بالمخالفات المنسوبة للعامل، وبما أن المدعي تمسك بصدور حكم قضائي سابق مكتسب للقطعية تضمن اثبات ان انهاء العلاقة التعاقدية كان بدون سبب مشروع.
وبناءً على ذلك، ثبت استحقاق المدعي للتعويض عن الانهاء غير المشروع بناءً على المادة (77، الفقرة 2) من نظام العمل التي تنص على: ما لم يتضمن العقد تعويضاً محدداً مقابل إنهائه من أحد الطرفين لسبب غير مشروع، يستحق الطرف المتضرر من إنهاء العقد تعويضاً على النحو الآتي: أجر المدة الباقية من العقد إذا كان العقد محدد المدة.

 

منطوق الحكم

حكمت الدائرة بإلزام المدعى عليها بتسليم المدعي مبلغًا للتعويض عن الإنهاء غير المشروع.

 

الرأي القانوني

نرى أن هذه الحالة توضح أهمية حجية الأحكام القضائية التي اكتسب الحجية القطعية، حيث لا يجوز إعادة مناقشة سبب إنهاء العلاقة العمالية متى صدر حكم مكتسب للصفة القطعية.
وفقًا لما نصت عليه المادة (86) من نظام الإثبات: الأحكام التي حازت حجية الأمر المقضي حجةٌ فيما فصلت فيه من الحقوق، ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية. ولا تكون لتلك الأحكام هذه الحجية إلا في نزاع قام بين الخصوم أنفسهم دون أن تتغير صفاتهم، وتعلق بالحق ذاته محلاً وسبباً. وتقضي المحكمة بهذه الحجية من تلقاء نفسها.

الحالة الثانية

عمل المدعي لدى المدعى عليها بعقد محدد المدة، تغيب المدعي عن العمل وقام المدعى عليه بإرسال رسالة نصية تتضمن توضيح أنه سيكون اخر يوم عمل له وسيتم إنهاء خدماته واستبعاده خارج الشركة. وقام بفصله بسبب عدم حضوره للعمل. بالرغم من أنه متبقي على مدة إنهاء العقد 20 شهرًا.
قام المدعي برفع دعوى يطالب فيها بتعويضه عن إنهاء العقد بلا سبب مشروع، وبسبب عدم حضور المدعى عليهم إلى الجلسة طلب القاضي من المدعي بينة من شهادة المدد والأجور، حوالات صادرة من المدعى عليها تثبت أنه كان يعمل لديهم، وطلب منه أداء اليمين وقام بالحلف بأنه كان يعمل لدى الشركة وحلف بالأجر وتاريخ بداية العقد وتاريخ اخر يوم عمل وأنه لم يرتكب أي مخالفات تستوجب فصله.

 

تسبيب الدائرة

أن المدعي تضرر من عدم حضور المدعى عليها رغم تبلغها، ولأن عدم حضورها يعد نكولًا وتفريطًا من المدعى عليها بإسقاط حقها في الدفاع، وكون المدعي يطلب إلزام المدعى عليها بتسليمه التعويض عن الإنهاء غير المشروع.
ونظرًا لتقوية جانب المدعي بما قدمه من بينة تثبت علاقته العمالية متمثلة في عقد العمل، وبينة عن الانهاء والمتمثلة في رسالة الاستبعاد.
وبما أن الدفع بمشروعية الانهاء متعلق بالمدعى عليها وحضورها ويلزمها الحضور والدفاع عن نفسها وبيان مشروعية الإنهاء. وبما أن اليمين تكون في جانب أقوى المتداعيين استنادًا للمادة (93) من نظام الإثبات.
وعليه، أن الدائرة تنتهي إلى أن الإنهاء من قبل المدعى عليها لم يكن مشروعًا، وأن المدعي يستحق التعويض عن المدة المتبقية من العقد استنادًا للمادة (77) من نظام العمل.

 

منطوق الحكم

حكمت الدائرة بإلزام المدعى عليها بتسليم المدعي تعويضًا عن إنهاء عقد العمل دون سبب مشروع

الحالة الثالثة

أبرم المدعى عليه مع المدعية عقد عمل محدد المدة لمدة سنة، إلا أنه تقدم باستقالته بعد مضي خمسة أشهر فقط من بداية العقد، ثم انقطع عن العمل قبل انتهاء مدته، رغم بقاء مدة تقارب سبعة أشهر.
قام المدعى عليه بالتمسك بأن هذه الاستقالة تعد إنهاءً غير مشروع للعقد من قِبل المدعية، خاصة وأنها لم تقبل الاستقالة.
مما تسبب لها بضرر نتيجة إخلاله بالتزاماته التعاقدية، وطالبت بالتعويض المدة المتبقية من العقد.
وبناءً على ذلك، استند المدعى عليه إلى المادة (77) من نظام العمل، التي تقضي باستحقاق الطرف المتضرر تعويضًا يعادل أجر المدة المتبقية في حال كان العقد محدد المدة ولم يتضمن تعويضًا محددًا.

 

تسبيب الدائرة

بما أن المدعية قدمت عقد العمل المحدد المدة، وأثبتت أن المدعى عليه تقدم باستقالته قبل انتهاء مدة العقد، كما ثبت عدم قبولها لهذه الاستقالة، وانقطاع المدعى عليه عن العمل بعد تقديمها، ولم يحضر المدعى عليه للدفاع عن نفسه رغم تبلغه، فقد نظرت الدائرة الدعوى غيابيًا بحقه.
كما قامت الدائرة بتوجيه اليمين المتممة للمدعية لإتمام البينة، فحلفت على صحة ما ادعته من مقدار الأجر وترك العمل وعدم قبول الاستقالة.
وبناءً على ذلك، ثبت للدائرة أن المدعى عليه هو من أنهى العقد بإرادته المنفردة قبل انتهاء مدته ودون سبب مشروع، مما يعد إخلالًا بالعقد، ويترتب عليه استحقاق المدعية للتعويض عن المدة المتبقية وفقًا للمادة (77) من نظام العمل.

 

منطوق الحكم

حكمت الدائرة بإلزام المدعى عليه بدفع تعويضًا عن إنهاء العلاقة العمالية قبل انتهاء مدتها.

 

الرأي القانوني

أن مجرد تقديم الاستقالة لا ينهي العلاقة العمالية بشكل تلقائي، بل يظل العقد قائمًا ما لم يتم قبول الاستقالة أو الاتفاق على انهاء عقد العمل، وبالتالي فإن انقطاع العامل عن العمل بعد تقديمها يعد إخلالًا بالعقد.
وتبرز هذه القضية أيضًا أهمية اليمين المتممة كوسيلة لإكمال البينة، خصوصًا في حال غياب المدعى عليه.

الخــاتمة
يتضح أن الحكم بالفصل التعسفي لا يقوم على مجرد إنهاء العلاقة العمالية، بل يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمدى مشروعية السبب وسلامة الإجراءات، فمتى انتفى السبب المشروع أو شاب الإجراء خلل جوهري، عُدّ الإنهاء تعسفيًا واستحق العامل التعويض.
وفي المقابل، تنتفي صفة التعسف إذا ثبتت مشروعية السبب، أو لم تقم الأدلة الكافية على وقوع الفصل، أو تبين أن إنهاء العلاقة صدر بمبادرة من العامل نفسه كما في حالة الاستقالة، خاصة في العقود محددة المدة.
وعليه، فإن التكييف القانوني للفصل يظل مرتبطًا بظروف كل حالة، وما تقدمه الأطراف من أسباب وأدلة تعكس حقيقة الإنهاء.

الفريق القانوني
عنوان الموضوع
السابق
التالي
عنوان الموضوع